أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

509

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 47 إلى 52 ] قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 51 ) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ( 52 ) قوله : إِذْ قالَ لِأَبِيهِ . يجوز أن يكون بدلا من « إِبْراهِيمَ » بدل اشتمال كما تقدم في « إِذِ انْتَبَذَتْ » ، وعلى هذا فقد فصل بين البدل والمبدل منه بقوله : « إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا » نحو : « رأيت زيدا ونعم الرّجل أخاك » . وقال الزمخشري : ويجوز أن يتعلق « إِذْ » ب « كانَ صِدِّيقاً » أي : كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات . وكذلك جوّز أبو البقاء أن يعمل فيه « صِدِّيقاً نَبِيًّا » أو معناه » . قال الشيخ « 1 » : « الإعراب الأول - يعني البدلية - يقتضي تصرف « إِذْ » وهي لا تتصرف » . والثاني : فيه إعمال « كانَ » في الظرف . وفيه خلاف . والثالث : لا يكون العامل مركبا من مجموع لفظتين ، بل يكون العمل منسوبا للفظ واحد ، ولا جائز أن يكون معمولا ل « صِدِّيقاً » ، لأنه قد وصف إلّا عند الكوفيين . ويبعد أن يكون معمولا ل « نَبِيًّا » ، لأنه يقتضي أن التنبئة كانت في وقت هذه المقالة . قلت : العامل فيه ما لخصه أبو القاسم ونضّده بحسن صناعته من مجموع اللفظين كما رأيت في قوله ، أي كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء ، حين خاطب أباه . وقد تقدمت قراءة ابن عامر : « يا أَبَتِ » وفي مصحف عبد اللّه « وأبت » ب « وا » التي للندبة . قوله : أَ راغِبٌ أَنْتَ . يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يكون « راغِبٌ » مبتدأ ، لاعتماده على همزة الاستفهام ، و « أَنْتَ » فاعل سدّ مسدّ الخبر . والثاني : أنه خبر مقدم ، و « أَنْتَ » مبتدأ مؤخر ، ورجح الأول بوجهين : أحدهما : أنه ليس فيه تقديم ولا تأخير ، إذ رتبة التأخير عن رافعه . والثاني : أنه لا يلزم منه الفصل بين العامل ومعموله بما ليس معمولا للعامل ، وذلك لأن « عَنْ آلِهَتِي » متعلق ب « راغِبٌ » ، فإذا جعل « أَنْتَ » فاعلا ، فقد فصل بما هو كالجزء من العامل بخلاف جعله خبرا ، فإنه أجنبي ، إذ ليس معمولا ل « راغِبٌ » . قوله : « مَلِيًّا » في نصبه ثلاثة أوجه :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 193 ) .